حيدر حب الله

77

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

للمسلمين أو كعدم إعطائهم الجزية ، فعدم إعطاء الجزية بمثابة فعل يقوم المسلمون بردّ الفعل عليه وهو الحرب ، وهذا ما تريده آية الجزية « 1 » . لكن هذا الكلام غير واضح ، فإن دفع الجزية كناية عن الخضوع والنزول تحت سيطرة المسلمين ، وهناك لا معنى لفرض وجود طرف آخر يقوم بفعل ونحن نردّ عليه ، وإلا فهل يأمر الإسلام بمحاربة أهل الكتاب فقط لأجل الحصول على المال ؟ ! وهل صحيح ما ذكره القرطبي وغيره من أنّ الأمر بمنع المشركين من دخول الحرم الذي فيه خوف الفقر والعيلة عوّضهم الله عنه بالتزامه بقانون الجزية « 2 » ، رغم أنه لا يوجد دليل على الربط بين الآيتين ؟ ! وهل هو تفسير عقلائي أن نعتبر عدم إعطاء مجتمع بشري معين أموالًا لنا دون أن يكون قد فعل شيئاً ضدّنا بمثابة فعل فيما محاربتنا له هو ردّ الفعل ، دون ملاحظة مبرّرات أخرى ؟ ! الملاحظة الثانية : إنّ آية الجزية وكثيراً من آيات الكتاب وردت بصيغة « المقاتلة » لا « القتل » ، فلم تقل : اقتلوا ، بل قاتلوا ، وهناك فرق لغوي بينهما ، فالأولى بمعنى وجود من بدأ الحرب لتصحّ صيغة المفاعلة ؛ فيما الثانية لا تفترض ذلك ، مما يجعل أيّ آية فيها صيغة المقاتلة ظاهرة في رفع العدوان ، وبدء الطرف الآخر بالحرب مسبقاً ، فلا تدلّ على شرعية الجهاد الابتدائي « 3 » . وقد حاول بعض الفقهاء - كما في بدائع الصنائع - أن يستفيد من هذه الصيغة لإثبات أن الآية تفترض أهلية القتال في الطرف الآخر ؛ فلا تشمل المجنون والصغير والأنثى و . . « 4 » ، وهذا ما يصبّ ويلتقي

--> ( 1 ) انظر : الخوئي ، البيان : 289 ؛ ومحمد باقر الحكيم ، علوم القرآن : 207 - 208 . ( 2 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 8 : 109 ؛ وابن كثير ، تفسير القرآن العظيم 2 : 360 ؛ والدر المنثور 3 : 228 . ( 3 ) شمس الدين ، جهاد الأمة : 240 ؛ وفضل الله ، كتاب الجهاد : 212 - 213 . ( 4 ) بدائع الصنائع 7 : 111 .